عثمان بن جني ( ابن جني )
222
الخصائص
باب في عدم النظير أمّا إذا دلّ الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير . وذلك مذهب الكتاب ، فإنه حكى فيما جاء على فعل ( إبلا ) وحدها ، ولم يمنع الحكم بها عنده أن لم يكن لها نظير ؛ لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس به ، لا للحاجة إليه . فأمّا إن لم يقم دليل فإنك محتاج إلى إيجاد النظير ؛ ألا ترى إلى عزويت ، لمّا لم يقم الدليل على أن واوه وتاءه أصلان احتجت إلى التعلّل بالنظير ، فمنعت من أن يكون ( فعويلا ) لمّا لم تجد له نظيرا ، وحملته على ( فعليت ) ؛ لوجود النظير ؛ وهو عفريت ونفريت . وكذلك قال أبو عثمان في الردّ على من ادّعى أن ( السين ) و ( سوف ) ترفعان الأفعال المضارعة : لم نر عاملا في الفعل تدخل عليه اللام ، وقد قال سبحانه فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [ الشعراء : 49 ] فجعل عدم النظير ردّا على من أنكر قوله . وأمّا إن لم يقم الدليل ولم يوجد النظير فإنك تحكم مع عدم النظير . وذلك كقولك في الهمزة والنون من أندلس " 1 " : إنهما زائدتان ، وإن وزن الكلمة بهما " أنفعل " وإن كان مثالا لا نظير له . وذلك أن النون لا محالة زائدة ؛ لأنه ليس في ذوات الخمسة شيء على ( فعللل ) فتكون النون فيه أصلا لوقوعها موقع العين ، وإذا ثبت أن النون زائدة فقد برد في يدك ثلاثة أحرف أصول ، وهي الدال واللام والسين ، وفي أوّل الكلمة همزة ، ومتى وقع ذلك حكمت بكون الهمزة زائدة ، ولا تكون النون أصلا والهمزة زائدة ؛ لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزوائد من أوائلها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها ؛ نحو مدحرج وبابه . فقد وجب إذا أن الهمزة والنون زائدتان ، وأن الكلمة بهما على أنفعل ، وإن كان هذا مثالا لا نظير له . فإن ضامّ الدليل النظير فلا مذهب بك عن ذلك ؛ وهذا كنون عنتر . فالدليل يقضى بكونها أصلا ، لأنها مقابلة لعين جعفر ، والمثال أيضا معك وهو ( فعلل ) وكذلك القول على بابه . فاعرف ذلك وقس .
--> ( 1 ) في اللسان ( دلس ) " وأندلس - بفتح الهمزة وضم الدال : جزيرة معروفة ، وفي القاموس بضم الهمزة والدال واللام ، وياقوت بفتح الهمزة وضم الدال وفتحها وضم اللام .